محمد فاروق النبهان
128
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
وذهب الرماني في إعجاز القرآن ، والباقلاني أيضا إلى عدم وجود سجع في القرآن ، وفرقوا بين الفاصلة والسجع ، فالفاصلة بلاغة والسجع عين ، وذهب غيرهم إلى إثبات السجع في القرآن ، لأن ذلك مما يتبين فيه فضل الكلام ، وإنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفات « 1 » . وهذا الخلاف بين من قال بإثبات السجع في القرآن ، ونفيه عنه هو الرغبة في تنزيه القرآن عما لا يليق به من الأوصاف ، فمن نفى السجع اعتبر أن السجع تكلف وتصنع ، والقرآن لا تكلف فيه ، ومن أثبت السجع في القرآن نظر إلى كلام فصحاء العرب ، واعتبر أن بعض السجع فضيلة ، وهو دليل فصاحة « 2 » . وقال بعضهم : « وكيف يعاب السجع على الإطلاق ، وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب ، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلام العرب ، وإنما لم يجئ على أسلوب واحد ، لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف ، ولما في الطبع من الملل عليه ، ولأن الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد ، فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثل » « 3 » . وهذا الخلاف - على ما يبدو - ظاهري ، فهو يناقش الفواصل القرآنية ، ثم يقف أمام التسمية متسائلا : هل هذا النسق في النظم القرآني يعتبر سجعا ، أم أنه نوع جديد من أنواع البلاغة القرآنية ، فمن أنكر إنما أنكر التسمية ، فكلمة « السجع » كانت تستخدم في كلام الكهان ، وهي تدل على تصنع وتكلف ، والقرآن منزه عن ذلك ، ولو قيل بإثبات السجع في القرآن لكان الأسلوب القرآني غير خارج عن أساليب العرب ، وهذا ينافي الإعجاز القرآني ، الذي يؤكد تميّز القرآن عن أساليب العرب ، وفضلا عن هذا فإن السجع تحكمه أوزان ولا يمكن للسجع أن يخرج عن أوزانه المعتادة ، وإلا اعتبر ذلك السجع خارجا عن نطاق السجع المستحب والممدوح .
--> ( 1 ) انظر البرهان ، ج 1 ، ص 54 . ( 2 ) نفس المصدر . ( 3 ) انظر البرهان ، ج 1 ، ص 60 .